السيد عباس علي الموسوي

85

شرح نهج البلاغة

وخضوعهم وذكرهم من أجل أن نقتدي بهم ونقتفي أثرهم . فبعد أن خلق اللّه السماوات خلق الملائكة لإقامتهم فيها أراد أن يعمر تلك السماوات العلى من ملكه فخلق هذا الخلق البديع الذي لم يكن له مثيل من قبل . ( وملأ بهم فروج فجاجها وحشا بهم فتوق أجوائها ) . ملأ بالملائكة تلك الأماكن المتسعة فيها وعبأها في تلك الشقوق الخالية في الأجواء المتسعة . . . ( وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس وسترات الحجب وسرادقات المجد ) . وهذا بيان لعبادتهم وتوجههم للهّ أنهم من تلك الشقوق ترتفع أصواتهم الملائكية بذكر اللّه والتوجه إليه في أماكنهم المطهرة التي لا يشوبها دنس وهي حظائر القدس وكذلك أماكنهم التي يحتجبون فيها ويستترون والسرادقات العظيمة التي يقيمون فيها . . . فقد ذكر عليه السلام هذه الأماكن الثلاثة التي فيها يتوطنون وبها يعبدون اللّه وفي بعض الأخبار إشارات إلى ذلك . . . ( ووراء ذلك الرجيح الذي تستك منه الأسماع سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها فتقف خاسئة على حدودها ) . خلف ذلك الاضطراب الذي يصم الآذان ويفقدها السمع متسعات من النور أي أنوار قوية شديدة تمنع العيون أن تصل إليها فترتدع مدفوعة وترجع كليلة لا تقوى على مواجهتها أو النظر إليها . . . ( وأنشأهم على صور مختلفات وأقدار متفاوتات أولي أجنحة تسبح جلال عزته لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يسَبْقِوُنهَُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بأِمَرْهِِ يَعْمَلُونَ ) . وهذا بيان لأشكالهم وصورهم وبيان لمقاماتهم وأدوارهم إذ ليس كلهم على شكل واحد وصورة واحدة كما أنهم ليسوا جميعا في منزلة واحدة ومرتبة واحدة . إنهم أولي أجنحة كما ذكر ذلك في القرآن العظيم قال تعالى : جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ تسبّح اللّه وتذكره وتقف أمام جلاله وعزته وقفة فيها الخشوع والخضوع . . . وما وجد من صنع اللّه وتحقق ظهوره بأمره لا يدعونه لأنفسهم أو ينسبونه لهم بحيث يتحولون به إلى أرباب كما لا يدعون أنهم شركاء له في الخلق فالنفي متوجه إلى استقلاليتهم في الخلق كما هو متوجه إلى مشاركتهم للهّ فيه . ثم أثبت لهم الطاعة للهّ والالتزام بما أمر اقتباسا من الآية الكريمة : وَقالُوا : اتَّخَذَ